تأملات في نتائج الحرب الإسرائيلية على غزة

In CategoryMiddle East Politics
Byadmin

التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية في عقد الثمانينات والتسعينات من حيث اختفاء لاعبين مثل الاتحاد السوفيتي وظهور لاعب فاعل في القضية الفلسطينية مثل إيران مثلا نقطة عطف هام في التطورات السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. و قد رافق ذلك ظهور لاعبين آخرين داخل المشهد الفلسطيني ذو مرجعية إسلامية. إن ظهور تيار سياسي فلسطيني ذو مرجعية إسلامية مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ثم الجهاد الإسلامي إنما سميت احد أهم مراحل تطور التيار الإسلامي أو ما يسمى بالتيار السياسي في عقد الثمانينات، والذي كان يمر في مرحلة يمكن تسميتها مرحلة التحول إلى مشاركة في المشهد السياسي في كثير من البلدان والساحات ومنها الساحة الفلسطينية، من هنا جاءت حماس بعد الانتفاضة الأولى 1987 لتبرز كلاعب ذو قوة متنامية في الساحة الفلسطينية. ولان حالة الاستقطاب وكما أشير مرتبط بالتغير الديناميكي الذي تشهده منطقة حيوية مثل الشرق الأوسط، فان حماس التي قدمت فلسطينيا على أنها صنيعة إسرائيلية وأنها خلقت كشرخ في البناء السياسي الفلسطيني، وبالتالي فقد كان الأمل أن تكون مثل هذا المقولة كافية لاغتيال الحركة في محيطها العربي الذي لا زال آنذاك يرى إسرائيل عدوا، آنذاك لم تكن إلا مصر قد وقعت معاهدة تسوية سياسية مع الدولة العبرية. في ذلك الوقت كانت منظمة التحرير مستقطبة إيرانيا، بمعنى أنها أعطيت الدعم السياسي من الجمهورية الإسلامية في إيران، وأعطيت مبنى السفارة الإسرائيلية كمقر لتمثيلها السياسي في إيران، بحيث انتقلت إيران من المؤيد لإسرائيل لتصبح المؤيد للفلسطينيين. واستمرت تلك العلاقة التي كانت قد تقوت في بيروت حين كانت بيروت مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية. لم يعجب الدول العربية التي كانت ترى في النظام الإسلامي خطرا يتهددها أن تتحرك منظمة التحرير باتجاه إيران، وقد مورست ضغوط وأعطيت بدائل كثير لتخفيف درجة حرارة العلاقة بين المنظمة وطهران، وقد جاءت الفرصة لتجهز على تلك العلاقة عندما عقد مؤتمر مدريد 1992 والذي شكل الخطوة الأولي لما نراه اليوم من تسوية سياسية بين منظمة التحرير وبين إسرائيل. اللاعب الفلسطيني –وهو هنا المنظمة- اخذ بنصيحة الدول العربية التي خرجت منهكة من الحرب الأميركية على العراق عام 1991، وأخذت بخيار الاعتراف ثم السلام مع الدول العبرية، لكن ذلك لم يكن ليكتمل دون أن يكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني جزء من تلك العملية. لقد فرضت مسيرة التسوية السياسية بين العرب وإسرائيل حالة من الاستقطاب على قاعدة من يرفض التسوية ومن يقبلها ويسوق لها، عند تلك النقطة بدا واضحا أن حالة من الاستقطاب قد بدأت تتشكل.

رفضت إيران كل ما نتج عن مؤتمر مدريد، مركزة انه لا اعتراف بإسرائيل، بل ومعتبر إسرائيل مصدر تهديد لها، رافق ذلك وكما أشير صعود حركة حماس في الساحة الفلسطينية كلاعب يرفض التسوية السياسية باعتبار أنها لا تقود إلا إلى مزيد من التفريط في الحق الفلسطيني. ومع الخطوات التي كانت تتحقق داخل المشهد السياسي الفلسطيني كنتيجة لمؤتمر مدريد والتي انتهت باتفاق اوسلو 1993 والذي أدى إلى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية- تزايدت الفجوة بين منظمة التحرير ومن يساندها وبين حماس القوة السياسية الناشئة ومن يلتقي معها في الحفاظ على برنامج المقاومة باعتباره حق لأي شعب يعيش في ظل الاحتلال. لقد بدا واضحا ان تصاعد قوة حماس وخطابها السياسي الرافض لعملية التسوية السياسية مرتبط ارتباطا وثيق بالخفاقات التي كانت تحدث مع السلطة الفلسطينية والسياسات التي كانت تتخذها إسرائيل ضد الفلسطينيين من اجتياحا وتضييق الأمر الذي بدا يعزز من انه لا أمل من الوصول إلى أي شكل من إشكال الدولة الفلسطينية المستقلة. زاد في تعقيد المشهد شعور الرأي العام الفلسطيني الفساد السياسي والمالي أخذا ينتشران في مؤسسات السلطة، وتراجعت الأولويات من تحقيق الاستقلال الفلسطيني إلى خدمة امن إسرائيل تحت عناوين حماية مسيرة التسوية السياسية من المعارضين من خلال الاعتقالات وتضييق الحريات. في هذه الأثناء كانت أجواء الاستقطاب الإقليمي على أشدها، الدول العربية مثل مصر والأردن كذلك منظمة التحرير الفلسطينية تدافع عن خيار التسوية السياسية باعتبار أن خيار استراتيجي، أما سوريا وإيران وكذلك حماس فقد حافظت على مواقفها باعتبار أن كل ما جرى هو خدمة لأمن إسرائيل ووجودها. حماس أبعدت من الأردن في سياق تحرك أميركي إقليمي حتي لا تعطل مسيرة التسوية،وذهبت إلى سوريا لتلقى عناية اكبر ولتعزز علاقتها مع طهران التي هي بدورها ترتبط بعلاقة إستراتيجية مع سوريا.

بقيت أجواء الاستقطاب قائمة بل وزادت، فحين اختارت حماس المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي في عام 2006 وفازت في الانتخابات لم يلق فوزها أي استقبال،وزاد في الطين بله هو أنها اختارت أو أجبرت على تأسيس حكومة فلسطينية لم يعترف فيها من قبل الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي، وفي ذات الوقت أيدت دول إقليمية مثل إيران وسوريا وقطر الحكومة الفلسطينية، ومع أن الحكومة لم تعمر وانتهى الأمر إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية لكن ذلك لم يكن كافيا لوقف حالة الاستقطاب الإقليمي الذي كان محكوما بقرارات من خارج الإقليم، فالمطلوب كان ولا يزال ان لا تعطى حماس أي نوع من الشرعية السياسية سواء إلا بعد الاعتراف في إسرائيل والاعتراف بالاتفاقات السابقة الموقع من قبل منظمة التحرير.

لقد جاء التجلي الواضح في حالة الاستقطاب المرتبط من الحرب الإسرائيلية على غزة امتدادا للحالة المتنامية، وهي حالة ربما ما يميزها هذه المرة أن لغة العداء الموازية لحالة الاستقطاب بدت أكثر عدوانية وشراسة، ولعل الحرب الكلامية بين إيران وحزب الله من جانب ومصر من جانب آخر تعد المثال الواضح على ذلك. إن الدور الذي لعبته إيران منذ بدء الحرب على غزة إنما كان استمرارا لحالة الدعم لحماس الذي لا تتردد إيران في الإعلان عنها، وقد تجلي ذلك في اجتماع أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني سعيد جليلي مع القيادة السياسية لحماس بعد حوالي أسبوعين من بدء الحرب، وهو الاجتماع الذي عبرت فيه إيران بصراحة أن مستوى الدعم لحماس لا يرقي إلى دفعه حزب الله إلى فتح جبهة جديدة مع إسرائيل، الأمر الذي عكس بوضوح أن مستوى الدعم الإيراني لحركات المقاومة الفلسطينية له سقف، وهو السقف الذي بعد تجاوزه فإن إيران تعرض نفسها إلى مزيد من الضغط الدولي.

إن ما يميز حالة الدعم الإيراني في الحرب على غزة أنها لم تكن الوحيدة، بل على العكس فقد وجدت منافسة حقيقية من دول أخرى مثل قطر التي وظفت بشكل اكبر إمكاناتها السياسية والإعلامية للحشد ضد الحرب على غزة، وهي المسألة التي زادت من مشاعر العداء لإسرائيل. كما أن الدور التركي الذي بدا أكثر قوة وتأثيره في الرأي العام بما في ذلك الإيراني قد خطف كثيرا من الأضواء التي عادة ما تركز على الدور الإيراني. فتركيا بعلاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية وحماس خلقت شبكة من الاتصالات التي كان من الصعب انتقادها، حتى في إسرائيل برزت أصوات ناقدة للحكومة الإسرائيلية التي دفعت تركيا إلى هذا الموقف الناقد من إسرائيل. وهذه كله اضعف فرضية النقد المتواصل إلى إيران، لأنه ببساطة كان هناك أصوات أخرى ضد الحرب على غزة تجاوزت مرحلة الإدانة إلى مرحلة العمل السياسي، وهو الأمر الذي لم تكن إيران تلعبه في ظل أجواء التوتر في علاقاتها مع دول عربية مثل المملكة العربية السعودية ومصر.

إن الجغرافيا السياسية التي حدثت فيها الحرب الأخيرة على غزة لعبت دورا أساسيا في الحد من الدور الإيراني وحصره بالدعم الإعلامي والدعم المالي –ربما- ، وهو دعم اقل إذا ما قارنا بإمكانية الدعم الإيراني المقدم لحزب الله خلال حرب 2006، حيث العلاقة مع سوريا والجغرافيا السياسية تساعد كثيرا إيران على تقديم دعم لوجستي اكبر. إن حالة الأزمة بين القاهرة وطهران وعدم قدرة طهران على إيصال مساعدتها عن طريق العريش عكست نوعا من التحجيم للدور الإيراني فيما يتعلق بتقديم مساعدات مباشرة للغزيين داخل القطاع.

أظهرت الحرب على غزة أن هناك لاعبين آخرين في المنطقة يمكن أن يلعبوا دورا مساويا إن لم يكن اكبر من الدور الإيراني، ولعل المثال التركي كان واضحا. الأمر الثاني أن هناك محدودية سياسية جعلت السياسة الإيرانية مكتفية بالعمل من خلال لاعبين مثل تركيا وقطر وسوريا، متجاوزة التفاعل فقط مع اللاعبين غير الدول مثل حماس وحزب الله. مثل هذا التطور قد يفرض على إيران في المستقبل إعادة النظر في علاقاتها مع دول اقليمية مثل مصر والسعودية و الحد من التوتر معها سعيا للحد من حالة التهميش التي تحاول دول الإقليم فرضها عليها.

Leave a Reply